بحث

مدونة الدكتور حمدى زكريا الطبية

طفلي يقول إن الأرض تهتز. هل يتخيّل؟|Vertigo and Dizziness in Children

 الأرض تهتز يا أمي

الدوار عند الاطفال

دعونا نتفق على أمر واحد أولاً: لا يوجد سؤال سخيف لا يُطرح. خلال خمسة وثلاثين عامًا من فحص آذان الأطفال الصغار والآباء القلقين، سمعتُ كل سؤال يُمكن تخيله. لكن السؤال الذي لا يزال يُثير دهشتي هو عندما تميل أمٌّ نحوي وتهمس: "يا دكتور، طفلي يقول إن الأرض تهتز. هل يتخيّل؟" كلا، إنه لا يتخيّل. الأطفال لا يختلقون الشعور بالدوران. إنهم يفتقرون إلى المفردات اللازمة لوصفه، لذا يصفونه باللغة الوحيدة التي يملكونها: "الأرض تهتز"، أو "عيناي ترتجفان"، أو أحيانًا يتشبثون بالأريكة ويرفضون النهوض. هذا هو الدوار. وهو حقيقي.

ما الذي يحدث فعلاً داخل هذا الرأس الصغير؟

داخل كل أذن، مدفونة عميقًا تحت عظم لا يزيد سمكه عن قشرة بيضة، يوجد نظام من القنوات المملوءة بسائل وبلورات دقيقة تُخبر الدماغ بمكان الرأس في الفراغ. نسميه الجهاز الدهليزي. إنه نظام دقيق للغاية. وعندما يحدث خلل في الإشارات العصبية، يتلقى الدماغ إشارةً تُوحي بحركة الجسم بينما هو ساكن تمامًا. والنتيجة هي الدوار الحقيقي، وليس مجرد شعور بالدوار الخفيف. الدوار الحقيقي هو وهم الحركة.

أما الدوخة، فهي مصطلح أوسع وأشمل. قد يشعر الطفل بالدوخة لأنه نهض فجأة، أو لأنه يعاني من فقر الدم، أو لأنه لم يشرب الماء منذ الإفطار، أو لأن التهاب الأذن قد تسبب في امتلاء الأذن الوسطى بسائل يضغط على الأذن الداخلية. هذا التمييز مهم لأن العلاج يختلف تمامًا باختلاف الحالة.

في عيادتي، السبب الأكثر شيوعًا للدوار الحقيقي عند الأطفال ليس ورمًا في الدماغ، ولا سكتة دماغية، بل هو الصداع النصفي. الصداع النصفي الدهليزي عند الأطفال أكثر شيوعًا مما يدركه معظم الآباء. قد لا يعاني الطفل من أي صداع على الإطلاق، بل من دوار متقطع يستمر من دقائق إلى ساعات، مصحوبًا أحيانًا بالغثيان، وأحيانًا أخرى بشحوب الوجه والحاجة إلى الاستلقاء في غرفة مظلمة. الدوار الانتيابي الحميد عند الأطفال، والذي نراه عند الرضع، يبدو مخيفًا: يفقد الطفل توازنه فجأة، ويبكي، ويتشبث بالأثاث، ثم بعد عشرين دقيقة، يتصرف وكأن شيئًا لم يكن. غالبًا ما يكون هذا الدوار مقدمة للصداع النصفي لاحقًا في الحياة. ثم هناك التهاب العصب الدهليزي، الذي يحدث عادةً بعد مرض فيروسي، حيث يلتهب عصب الأذن الداخلية ويستيقظ الطفل غير قادر على المشي باستقامة. نعم، الدوار الوضعي الانتيابي الحميد، وهو مشكلة انزياح البلورات التي نراها عند البالغين، يمكن أن يحدث عند الأطفال الأكبر سنًا بعد ارتطام في الرأس.

مشاهد من غرفة المعيشة

إليكم ما أريدكم أن تنتبهوا إليه في المنزل. ليس في المستشفى. في غرفة معيشتكم.

طفلكم ذو الست سنوات يشاهد التلفاز. يميل رأسه إلى جانب، ثم إلى الجانب الآخر، كما لو كان يحاول إخراج الماء من أذنه. يخطئ مسند الذراع عندما يمد يده إليه. يخبركم أن الشاشة تتحرك. تعتقدون أنه بحاجة إلى نظارة.

أو قد تنزل طفلتك ذات العشر سنوات من حافلة المدرسة وتمشي بخطوات متثاقلة كأنها بحارة على متن سفينة. تتشبث بالجدار. تتقيأ مرة، وترفض العشاء، وتنام لعشر ساعات. وفي صباح اليوم التالي تكون بخير. فتُلقين باللوم على غداء المدرسة.

هذه ليست مجرد قصص. إنها حالات سريرية أسمعها أسبوعيًا. لا يقول الأطفال "أعاني من رأرأة العين". بل يقولون "عيناي تتحركان بشكل راقص". ولا يقولون "أعاني من عدم استقرار في وضعية الجسم". يسقطون من الأريكة. يرفضون اللعب. يصابون فجأة بخوف غير مبرر من صعود الدرج. إذا كان طفلك يميل رأسه باستمرار إلى جانب واحد، أو يمسك بالأثاث أثناء المشي على أرضية مفتوحة، أو يصف الغرفة بأنها تدور، فلا داعي للمبالغة في ردة فعلك بإحضاره إلى العيادة.

خرافات وسوء فهم

دعوني أكون صريحًا بشأن أمر يُهدر وقتًا ثمينًا. إن فكرة أن الطفل الذي يشكو من الدوار يحتاج فقط إلى المزيد من السكر وقيلولة هي تبسيط مفرط وخطير. نعم، يمكن أن يُسبب انخفاض سكر الدم دوارًا خفيفًا. نعم، التعب يزيد الأمور سوءًا. لكن إعطاء الطفل علبة عصير وإعادته إلى المدرسة وهو يعاني من دوار حقيقي أشبه بوضع ضمادة على أنبوب مكسور. قد يتوقف السائل عن التقطير للحظة، لكن الضغط لا يزال يتراكم تحته.

رأيتُ آباءً يؤجلون التقييم لأشهر لأن أحد الأقارب، بحسن نية، أصرّ على أن الطفل "يبالغ" أو "يلعب لجذب الانتباه". الأطفال لا يلعبون لجذب الانتباه بالتقيؤ في السيارة. ولا يتظاهرون بالشحوب الذي أراه في غرفة الفحص. ثقوا بالعرض.

ما أفعله عندما يدخل طفل إلى عيادتي، سواءً مشياً أو متعثراً:

أول ما أفعله هو الاستماع إلى الأم. ليس إلى السجل الطبي، بل إلى الأم. على مدى خمسة وثلاثين عاماً، تعلمتُ أن التاريخ المرضي هو كل شيء. متى بدأ؟ كم يدوم؟ هل يُثار بتحريك الرأس، أو الوقوف، أو النظر إلى الشاشة؟ هل يحدث في الصباح؟ بعد المدرسة؟ أثناء ركوب السيارة؟ أسأل عن التهابات الأذن، وإصابات الرأس، ونزلات البرد الأخيرة، والتاريخ العائلي للصداع النصفي.

أراقب الطفل وهو يمشي في الغرفة. أنظر إلى عينيه. إذا كان الجهاز الدهليزي يعاني من خلل، فغالبًا ما تكشف العينان ذلك برمش إيقاعي نسميه الرأرأة. أتحقق من سمعه، لأن الأذن الداخلية مسؤولة عن كلٍ من التوازن والسمع، وعندما يتأثر أحدهما، قد يُشير الآخر إلى وجود مشكلة. أجري اختبار ردة فعل الرأس، حيث أُدير رأس الطفل برفق بينما يُركز نظره على أنفي، باحثًا عن حركة العين السريعة المميزة التي تُشير إلى ضعف الأذن الداخلية. إذا سمعتُ عن صداع مستمر، أو قيء صباحي، أو تغيرات عصبية، فلا أتردد في طلب إجراء تصوير. الحفرة الخلفية، وهي الجزء الخلفي من الدماغ حيث يقع المخيخ، ليست مكانًا للتخمين.

العلاج، والخطوة العملية الوحيدة

يعتمد العلاج كليًا على السبب. يستجيب الصداع النصفي الدهليزي لتغييرات نمط الحياة، وتنظيم النوم، وشرب الماء بكثرة، وأحيانًا الأدوية الوقائية إذا كانت النوبات متكررة ومُعيقة. عادةً لا يتطلب الدوار الانتيابي الحميد في مرحلة الطفولة أكثر من طمأنة، مع أنني أتابع هؤلاء الأطفال لأن العديد منهم يُصابون بالصداع النصفي النمطي لاحقًا. يشفى التهاب العصب الدهليزي مع مرور الوقت، ويُساعد في ذلك أحيانًا استخدام مُثبطات الدهليز لفترة قصيرة والعلاج الطبيعي. إذا كان الطفل مصابًا بدوار الوضعة الانتيابي الحميد (BPPV)، وهو أقل شيوعًا ولكنه قابل للعلاج، فإننا نجري مناورة إعادة التموضع المعدلة. تُعالج التهابات الأذن بشكل مناسب، ويزول الدوار مع زوال السائل.

إليك خطوة عملية يمكنك اتخاذها اليوم. الليلة. أحضر دفترًا ورقيًا. ليس تطبيقًا. على مدار الأسبوعين القادمين، دوّن الوقت، والنشاط، والمدة، والكلمات التي يستخدمها طفلك لوصف النوبة. "شعرتُ باهتزاز الغرفة." "شعرتُ وكأنني على متن قارب." "كانت عيناي ترتجفان." دوّن أيضًا ما تناوله، وكيف نام، وما إذا كان هناك شاشة أمامه. هذه المفكرة أهم من أي فحص يمكنني طلبه، لأن الأنماط تكشف الأسباب. الأنماط تكشف المحفزات. والأنماط تُجنّب الأطفال معاناة لا داعي لها.

تذكر دائمًا: عيادتي مفتوحة لتقديم الرعاية الطبية المناسبة لمن يحتاجها.

إخلاء المسؤولية الطبية

هذه المقالة لأغراض تعليمية فقط، ولا تُغني عن استشارة الطبيب المختص أو التشخيص أو العلاج. إذا عانى طفلك من دوار مستمر، أو دوخة، أو قيء، أو صعوبة في المشي، فاستشر طبيب أطفال أو أخصائي أنف وأذن وحنجرة على الفور.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من فضلك اكتب تعليقا مناسبا