البواسير: الأسباب والأعراض والعلاج الشامل
تُعدّ البواسير (Hemorrhoids) من أكثر الحالات الصحية شيوعاً وإزعاجاً في العالم، إذ تُشير
الدراسات إلى أن ما يزيد على 75% من البالغين يعانون منها في مرحلة ما من حياتهم.
وعلى الرغم من الطابع المحرج الذي يُضفيه كثيرون على هذا الموضوع، فإن فهم
البواسير بصورة علمية صحيحة هو الخطوة الأولى نحو التعامل معها والتعافي منها.
في
هذا المقال، نستعرض بشكل شامل كل ما تحتاج إلى معرفته عن البواسير: تعريفها، أسبابها،
أعراضها، طرق تشخيصها، وأحدث خيارات علاجها، فضلاً عن أهم النصائح الوقائية
المدعومة بالدليل العلمي.
ما هي البواسير؟ (تعريف طبي دقيق)
البواسير
هي أوردة متورمة ومتضخمة تقع في المستقيم السفلي أو حول فتحة الشرج. تُشبه هذه
الحالة إلى حد ما الدوالي التي تظهر في الساقين؛ فهي في جوهرها تمدد وضعف في جدران
الأوعية الدموية الوريدية في هذه المنطقة الحساسة.
تنقسم
البواسير إلى نوعين رئيسيين بحسب موقعها التشريحي:
- البواسير
الداخلية (Internal Hemorrhoids): تنشأ
داخل المستقيم، ونادراً ما تُسبب ألماً لأن المنطقة تفتقر إلى النهايات
العصبية الحسية، لكنها قد تُسبب نزيفاً ملحوظاً عند التبرز.
- البواسير
الخارجية (External Hemorrhoids): تتشكل
تحت الجلد المحيط بفتحة الشرج، وهي أكثر إيلاماً وإزعاجاً لوجود ألياف عصبية
حسية كثيفة في تلك المنطقة.
وثمة
حالة ثالثة تُعرف بـالبواسير المختلطة أو المتدلية (Prolapsed Hemorrhoids)، وهي بواسير داخلية تنزلق للخارج عبر فتحة الشرج وقد تظل بارزة
باستمرار.
أسباب وعوامل خطر الإصابة بالبواسير
لا
تنشأ البواسير من سبب واحد، بل هي نتاج تضافر عدة عوامل تؤدي إلى زيادة الضغط على
أوردة المنطقة الشرجية المستقيمية. وأبرز هذه الأسباب:
- الإمساك
المزمن (Chronic Constipation): يُعدّ
العامل الأول الأكثر شيوعاً؛ إذ يؤدي الجهد المبذول أثناء التبرز إلى ضغط
مرتفع على الأوردة الشرجية.
- الإسهال
المتكرر: يُسبب التهيج المستمر والتمدد
المتكرر للجدران الوريدية.
- الحمل
والولادة: يزيد ثقل الجنين من الضغط على
الحوض، ويُرخي هرمون البروجسترون جدران الأوردة.
- الجلوس
أو الوقوف لفترات مطوّلة: يُعيق عودة الدم الوريدي بصورة طبيعية.
- النظام
الغذائي الفقير بالألياف: يُصلّب البراز ويجعل التبرز أكثر
عسراً.
- السمنة
والوزن الزائد: يُضاعف الضغط على الشبكة
الوريدية في منطقة الحوض.
- التقدم
في السن: تضعف أنسجة المستقيم وأوردته
بشكل طبيعي مع التقدم في العمر.
- العوامل
الوراثية: يُلاحظ كثيراً وجود استعداد
وراثي عائلي للإصابة بالبواسير.
أعراض البواسير: كيف تعرف أنك مصاب؟
تتفاوت
أعراض البواسير تفاوتاً كبيراً بين شخص وآخر وبحسب النوع والشدة. إليك أبرز
العلامات التحذيرية:
الأعراض الشائعة للبواسير الخارجية
- ألم
أو إزعاج ملحوظ حول فتحة الشرج، يشتد عند الجلوس.
- حكة
وتهيج مستمران في منطقة الشرج (Anal Pruritus).
- تورم
وانتفاخ واضح حول فتحة الشرج.
- إحساس
بوجود كتلة مؤلمة عند لمس المنطقة.
- دم
في البراز أو على ورق التواليت (أحمر فاتح).
الأعراض الشائعة للبواسير الداخلية
- نزيف
غير مؤلم أثناء التبرز (أكثر الأعراض شيوعاً).
- خروج
نسيج من البواسير عبر فتحة الشرج أثناء أو بعد التبرز.
- إحساس
بعدم اكتمال إخراج البراز.
- إفرازات
مخاطية بعد التبرز.
تحذير طبي مهم: لا تفترض أبداً أن الدم في البراز ناتج دائماً عن البواسير. قد يكون
النزيف علامةً على حالات أكثر خطورة كالتهاب الأمعاء أو الأورام. استشر طبيبك
فوراً عند ظهور أي نزيف في البراز.
مقارنة بين البواسير الداخلية والخارجية
|
المعيار |
البواسير الداخلية |
البواسير الخارجية |
|
الموقع |
داخل المستقيم |
حول فتحة الشرج من الخارج |
|
الألم |
نادر (إلا عند التدلي) |
شائع وقد يكون شديداً |
|
النزيف |
شائع جداً وغير مؤلم |
أقل شيوعاً |
|
الحكة |
نادرة |
شائعة جداً |
|
الرؤية بالعين |
غير مرئية (إلا عند التدلي) |
مرئية ومحسوسة |
|
التشخيص |
يحتاج تنظيراً أو فحصاً شرجياً |
يمكن تشخيصه بالفحص المباشر |
|
الخطورة |
قد تتدلى وتتعقد |
قد تتخثر وتُسبب ألماً حاداً |
درجات البواسير وتصنيفها الطبي
يُصنّف
الأطباء البواسير الداخلية إلى أربع درجات وفقاً لنظام تصنيف غوليغر (Goligher
Classification):
1. الدرجة الأولى: بواسير تنزف لكنها لا تتدلى خارج الشرج.
2. الدرجة الثانية: تتدلى أثناء التبرز وتعود تلقائياً للداخل.
3. الدرجة الثالثة: تتدلى وتحتاج لإعادتها يدوياً بالإصبع.
4. الدرجة الرابعة: تتدلى باستمرار ولا يمكن إعادتها إلى الداخل.
كيف يتم تشخيص البواسير؟
التشخيص
الدقيق للبواسير ضرورة طبية لا تقبل المساومة. يبدأ الطبيب عادةً بأخذ التاريخ
المرضي الكامل، ثم ينتقل إلى الفحص البدني الذي يشمل:
- الفحص
الشرجي الخارجي: لرصد البواسير الخارجية المرئية
والتورمات.
- الفحص
الرقمي للمستقيم (Digital Rectal Examination): لتقييم
الحالة الداخلية.
- التنظير
الشرجي (Anoscopy): لرؤية الجزء الداخلي من الشرج
بوضوح.
- التنظير
السيني أو الكولونوسكوبي (Sigmoidoscopy / Colonoscopy): يُوصى
به في حالات النزيف الغير واضح لاستبعاد أمراض القولون الأخرى، لا سيما فوق
سن الخمسين.
علاج البواسير: من التغييرات اليومية إلى الجراحة
تتدرج
خيارات علاج البواسير من الأبسط إلى الأكثر تدخلاً، وذلك بحسب شدة الحالة ودرجتها.
ويُؤكد الأطباء أن معظم الحالات تستجيب جيداً للعلاج المحافظ.
أولاً: التغييرات في نمط الحياة والنظام الغذائي
- رفع
تناول الألياف الغذائية تدريجياً إلى 25-30 غراماً يومياً من خضروات وفواكه
وحبوب كاملة.
- شرب
ما لا يقل عن 8-10 أكواب من الماء يومياً لتليين البراز.
- تجنب
الجلوس على المرحاض لفترات طويلة وعدم إجهاد نفسك أثناء التبرز.
- ممارسة
النشاط البدني المنتظم لتحفيز حركة الأمعاء.
- تجنب
رفع الأثقال الشديدة بشكل متكرر.
ثانياً: العلاجات الدوائية المحلية
تتوفر
في الصيدليات كريمات ومراهم وتحاميل تحتوي على مضادات الالتهاب والمخدرات
الموضعية، مثل الهيدروكورتيزون والليدوكايين، وتُساعد على تخفيف الأعراض مؤقتاً
كالألم والحكة والتورم. غير أن استخدامها يجب ألا يتجاوز أسبوعاً أو أسبوعين إلا
بإشراف طبي.
ثالثاً: الإجراءات الطبية غير الجراحية
- ربط
قاعدة البواسير بالحلقة المطاطية (Rubber Band Ligation): الأكثر
شيوعاً وفعالية للدرجتين الأولى والثانية.
- العلاج
بالتصليب بالحقن (Sclerotherapy): حقن مادة مصلِّبة لإغلاق الوريد.
- العلاج
بالأشعة تحت الحمراء (Infrared Coagulation): لتخثير
أنسجة البواسير الصغيرة.
- التخثير
الكهربائي أو بالليزر: تقنيات حديثة بفعالية مُثبتة
ووقت استشفاء أقل.
رابعاً: الجراحة (استئصال البواسير)
تُلجأ
إليها في حالات الدرجة الثالثة والرابعة أو عند فشل العلاجات الأخرى. تشمل تقنيات
الاستئصال الكلاسيكي (Hemorrhoidectomy)، وعملية دوبلر لربط
الشرايين (HAL-RAR)، وتثبيت البواسير
بالدبابيس الجراحية (Stapled
Hemorrhoidopexy).
يُحدد الطبيب الخيار
الأنسب بعد تقييم شامل للحالة.
الأغذية المفيدة والمضرة لمريض البواسير
|
الفئة |
أمثلة مسموح
بها |
أمثلة يُفضل
تجنبها |
|
الخضروات |
البروكلي،
السبانخ، الجزر، البامية |
الفليفلة
الحارة، الثوم الخام بكميات كبيرة |
|
الفواكه |
التين،
الكمثرى، التفاح بقشره، البرقوق |
الحمضيات
بكميات مفرطة |
|
الحبوب |
الشوفان، خبز
القمح الكامل، الأرز البني |
الخبز الأبيض،
المعجنات المكررة |
|
البروتين |
السمك، الدجاج
المسلوق، البقوليات |
اللحوم
المحمرة، الوجبات السريعة |
|
المشروبات |
الماء، عصير
البرقوق، شاي البابونج |
الكحول،
المشروبات الغازية، القهوة المفرطة |
|
التوابل |
الكركم،
الزنجبيل المعتدل |
الفلفل الحار،
الكاري الحار |
الوقاية من البواسير: عادات يومية تحمي صحتك
الوقاية
دائماً أفضل من العلاج. إليك أبرز الإجراءات الوقائية المدعومة علمياً:
- احرص
على تناول وجبات غنية بالألياف يومياً دون انقطاع.
- لا
تؤجل الذهاب للحمام عند الإحساس بالحاجة؛ فالكبح المتكرر يُصلّب البراز ويزيد
الضغط.
- قلّل
من الجلوس المطوّل، وخذ استراحات منتظمة للمشي إن كان عملك مكتبياً.
- مارس
تمارين قاع الحوض (Kegel Exercises) لتقوية عضلات المنطقة وتحسين الدورة الدموية.
- حافظ
على وزن صحي مثالي، لأن الوزن الزائد يُجهد الأوردة الحوضية باستمرار.
- تجنب
استخدام ورق التواليت الجاف العنيف؛ واستخدم الماء أو مناديل مُرطّبة بلطف.
متى تزور الطبيب فوراً؟
رغم
أن البواسير في أغلب الأحيان غير خطيرة، فإن بعض العلامات تستوجب التوجه للطبيب
بشكل عاجل:
- نزيف
شرجي غزير أو مستمر.
- ألم
شديد مفاجئ في منطقة الشرج.
- تغيّر
في لون البراز إلى أسود أو دموي داكن.
- بواسير
متدلية لا يمكن إعادتها يدوياً.
- أعراض
مصاحبة كفقدان الوزن غير المبرر أو تغير في عادات الإخراج.
الأسئلة الشائعة حول البواسير (FAQ)
هل البواسير خطيرة أو مميتة؟
في
الغالب العظيم، البواسير ليست خطيرة ولا مميتة، لكنها تُسبب إزعاجاً كبيراً وقد
تؤثر على جودة الحياة. النزيف المزمن غير المعالج قد يُفضي إلى فقر الدم. المهم هو
الفحص الطبي المبكر للتأكد من التشخيص الصحيح واستبعاد حالات أكثر خطورة.
هل يمكن علاج البواسير نهائياً دون جراحة؟
نعم،
الكثير من حالات البواسير في الدرجات الأولى والثانية تستجيب استجابةً ممتازة
لتغيير نمط الحياة والعلاجات الطبية والإجراءات البسيطة. الجراحة تُحفظ للحالات
الشديدة أو التي لا تستجيب للعلاجات الأخرى.
هل حمامات الماء الدافئ (Sitz Bath) مفيدة للبواسير؟
نعم
بالتأكيد. الجلوس في حوض ماء دافئ (لا ساخناً) لمدة 15-20 دقيقة بعد كل تبرز يُخفف
الألم والتهيج، ويُحسّن تدفق الدم في المنطقة، وهو أحد العلاجات المنزلية الأكثر
فاعلية وأماناً الموصى بها طبياً.
هل البواسير تعود بعد علاجها؟
البواسير
قابلة للعودة إذا لم تُعالَج الأسباب الجذرية. الالتزام بنظام غذائي غني بالألياف
وشرب الماء الكافي وتجنب الإمساك هو الضمان الأمثل لعدم عودتها. حتى بعد الجراحة،
يُنصح بالحفاظ على نمط حياة صحي.
المصادر الطبية الموثوقة
- منظمة
الصحة العالمية (WHO) — المبادئ
التوجيهية لصحة الجهاز الهضمي.
- المعهد
الوطني للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى (NIDDK) — الولايات
المتحدة الأمريكية.
- الكلية
الأمريكية لأطباء القولون والمستقيم (ASCRS) — إرشادات
علاج البواسير 2023.
- مجلة Diseases of the Colon and Rectum — بحوث محكّمة في جراحة القولون.
- منظمة
الجمعية الأوروبية لأمراض القولون والمستقيم (ESCP) — المبادئ
التوجيهية الأوروبية لعلاج البواسير.
خلاء مسؤولية طبي: المحتوى الوارد في هذا المقال مُعدٌّ لأغراض التثقيف الصحي العام
فحسب، ولا يُغني بأي حال عن استشارة الطبيب المختص أو زيارة مرفق طبي معتمد. إذا
كنت تعاني من أي أعراض مذكورة، فيُرجى التوجه إلى طبيبك فوراً قبل اتخاذ أي قرار
علاجي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
من فضلك اكتب تعليقا مناسبا